الصفحة الرئيسية | السيرة الذاتية مراجعات أعمال د. الصويان الأعمال المنشورة | الصحراء العربية: شعرها وثقافتها | أساطير ومرويات شفهية من الجزيرة العربية
 الثقافة التقليدية مقالات صحفية في الأدب الشفهي مقالات صحفية بالعربية محاضرات عامة معرض صور تسجيلات صوتية موسيقى تقليدية
ديواني
| كتب في الموروث الشعبي مخطوطات الشعر النبطي أعمال قيد النشر لقاء تلفزيوني مع محطة العربية مواقع ذات علاقة العنوان

Home | Curriculum Vita | Reviews | Publications | Arabian Desert Poetry | Legends & Oral Narratives  
Traditional Culture
|
Articles on Oral Literature | Articles in SaudiDebate | Public Lectures |  Photo Gallery | Sound Recordings
Traditional Music
| Anthology | Folklore Books | Manuscripts | Work in Progress | TV Interview | Relevent Links | Contact

 

خالد الفيصل

 

حينما نقول أن سمو الأمير خالد الفيصل شاعر مجدد فإن المقصود ليس المعنى القريب والمفهوم السطحي لكلمة تجديد كأن يبعث الشاعر مثلاً مندوبه على سيارة أو طيارة أو حتى صاروخ بدلاً من الناقة. في رأيي هذا ليس تجديداً بقدر ما هو تكيف طفيف مع الأوضاع المتغيرة. هذا ليس تجديداً لأن الموضوع هو الموضوع، الذي تغير فقط هو طريقة التعبير عن الموضوع.

لكي يصبح التغيير تجديداً حقيقياً فإنه لابد أن يطال الأدوات الفنية التي يتوسل بها الشاعر والمادة الخام التي يشكل منها قصيدته، بما في ذلك الكلمة والمعنى والصورة والوزن والإيقاع والموسيقى وكل ما يتعلق بجماليات القصيدة وأغراضها الفنية ووظيفتها الإنسانية.

التجديد الحقيقي هو تجاوز المألوف والمعتاد وتوليد لغة شعرية طرية بكر تأخذ بذهن المتلقي وشعوره إلى مساحات أرحب وعوالم أسمى من الإبداع والخيال. التجديد الحقيقي، الإبداع الحقيقي، أن تتزاحم أمام المتلقي صورٌ وأخيلةٌ وتراكيب شعرية تحرك اللاوعي وتستثير كوامن النفس وتجعل الإنسان يقف مندهشاً أمام شيء لا عهد له به من قبل.

الأمير الشاعر خالد الفيصل قوض بناء القصيدة النبطية التقليدية ليقيم على أنقاضها صرحاً إبداعياً يختلف بصورة ملحوظة في شكله ومضمونه، في هندسته وتصميمه، في زخرفته وألوانه. وهذا لا يتأتى فقط بالفطرة والطبع وإنما هو أيضاً نتيجة جهد واع وإدراك عميق لرسالة الفن ودور الفنان.

    ما قد سرقت البيت ولا تسلّفت                  ما اقلد الشعار، شعري مراتي

    وش عاد لوني في حياتي تكلفت                 يالعنبو قلبٍ تريّح وماتِ

    كني مع نجوم الليالي توظفت                    اساهر النجمات حل المباتِ

على لسان الأمير الشاعر خالد الفيصل انتقلت القصيدة النبطية نقلة نوعية مذهلة من حيث الأغراض والمضامين حيث انطلقت وتحررت من نطاق جاذبية التجربة الكلاسيكية وطبقاتها الجوية لتحلق في أجواء وعوالم إبداعية غير مأهولة، لم يرتدها أحد من قبل. مساحات جديدة من الإبداع فيها جمال الصورة وعذوبة الكلمة وخفة الأوزان والإيقاعات التي تلامس الشعور وتداعب الحواس، ليس فقط حاسة السمع والبصر، بل أيضاً حاسة الشم والذوق.

    أعن له عنة هل الكيف للهيل                     ما ذاق راع الكيف ذقته هْـنَـيَّا

ريشة الأمير الفنان خالد الفيصل حولت الصورة الشعرية من صورة ساكنة إلى صورة مجسدة متحركة تزخر بالألوان وتعج بالحركة.

    اشبهه باللي عسيف من الخيل                   تلعب وانا حبل الرسن في يديا

    اورق غرامه مثل غرس على سيل              مشهات قلبي يوم جالي شهيا

    حبه سرابي سرية الغيم بالليل                   نسيم ليل قال للشوق هيا

كلنا نعرف أن ثقافتنا خلال العقود الأخيرة تحولت وبشكل جذري من ثقافة شفهية تعتمد على الحفظ والذاكرة إلى ثقافة كتابية إلكترونية تعتمد على التسجيل والتدوين. لقد انتهى دور الرواية والتذاكر في المجالس والمنتديات كوسيلة من وسائل تداول الشعر ونقله وتوارثه، هذا الدور أصبح الآن منوط بوسائل الإعلام الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية.

هذا التغير الجذري في وسائل نقل الشعر وتداوله نتج عنه تحولات جذرية في اللغة والبنية والحبكة الفنية للقصيدة. فالقصيدة المقروءة غير القصيدة المسموعة والقصيدة المغناة غير القصيدة المسرودة والمروية شفهياً. هذا العصر الذي نعيش فيه عصر سريع ومزدحم. فالحيز المكاني لنشر القصيدة في المجلة أو الجريدة مثلاً ضيق، والحيز الزماني لبث القصيدة عبر المذياع أو التلفاز أو عبر الشريط أو الإسطوانة مثلاً قصير. لذلك فإن القصيدة لابد وأن تكون مكثفة ومكتنزة في لغتها وفي صورها تعتمد على الإيحاء لا التقرير المباشر وأن تكون وحدتها وحدةً عضوية مستمدة من وحدة الموضوع والفكرة لا وحدةً ميكانيكية مستمدة من وحدة الوزن والقافية.

والأمير الشاعر خالد الفيصل من الرواد الواعين والمتمكنين لهذا التحول الفني حيث حول النفس الملحمي والأجواء الدرامية والألفاظ الفخمة في القصيدة الكلاسيكية إلى صور رشيقة ولغة عذبة وأوزان راقصة قابلة للتلحين والغناء.

الله اكبر كيف يجرحن العيون                        كيف ما يبرى صويب العين ابد

احسب ان الرّمش لا سلهم حنون                     اثر رمش العين ما ياوي لاحد

يوم روّح لي نظر عينه بهون                        فزّ له قلبي وصفّـق وارتعد

لفّـني مثل السّـحايب والمزون                     في عيوني برق وبقلبي رعد

نقّض جروحي وجدّد بي طعون                     قلت: يكفى، قالت عيونه: بعد

وانعطف هاك الشّـعر فوق المتون                  وانثنى عوده وقفّى وابتعد

اشغلتني نظرة العين الفتون                          حيّـرتني  بالتوعّــد والوعد

هي تمون العين والاّ ما تمون                        لي خذت قلبي وقفّـت ياسعد

لقد استطاعت الكلمة الشعرية التي أبدعتها قريحة الأمير خالد الفيصل أن تحقق عدة أغراض فنية، بل ووطنية أيضاً. لقد دفعت كلمات سموه الأغنية السعودية إلى أن تتخطى حدودها الإقليمية وتلقى صدى واسعاً وتقبلاً ورواجاً في مختلف أرجاء الوطن العربي الكبير. وهذا في رأيي كسب كبير ينبغي التنويه به والتأكيد عليه.

ولا ينبغي لنا هنا أن نجحد دور الملحنين والمؤدين أمثال طلال مداح ومحمد عبده في هذا الصدد حيث أن أداءهم الجيد والناجح للنص الغنائي ساعد بدون شك على إبراز مكامن الإبداع والمواطن الجمالية والطاقات الفنية الهائلة لكلمات النص.

والمكسب الآخر الذي يلزم التأكيد عليه هو أن المملكة بمساحاتها الشاسعة ولهجاتها المختلفة ومناطقها الثقافية المتفاوتة وطبقاتها الإجتماعية المتباينة في أذواقها وإدراكاتها أصبح لها الآن طابع فني وغنائي موحد متفق عليه ويتذوقه الجميع. لقد تم ذلك بفضل النصوص الغنائية السلسة في لغتها والبسيطة في تركيبها. ولقد كان للأمير الشاعر خالد الفيصل الدور الريادي والقدح المعلى في اقتحام هذه التجربة الفريدة التي أثبتت نجاحها وكان لها دور فعال في توحيد هذا الوطن ثقافياً وصبغه بصبغة فنية واحدة أضفت بعداً جديداً لوحدته السياسية والإجتماعية.

من منا لا يذكر أغاني مثل:

    - أجل لولاك حنا ما بكينا

    - ياقديم الغوص في بحر الهوى

    - أجاذبك الهوى واطرب واغني

    - الولع غنى وانا فيني ولع

    - كفاني عذاب الله يجازيك بافعالك

    - بشروني عنك ما يدرون عني

    - غريب الدار ومناي التسلي

    - ايوه قلبي عليك التاع

    - فز الخفوق وقلت يالله عسى خير

    - قلبي اللي لواه من الصواديف لاوي

    - تستاهل الحب نجديه

    - ليتك معي ساهر ليل الهوى كله

    - ياغالي الاثمان غلوك بالحيل

    - لك حق تزعل ثم لك حق نرضيك

    - ما هقيت ان البراقع يذبحني

    - من بادي الوقت وهذا طبع الايامي

وبالمناسبة هذه القصيدة الأخيرة لها وقع خاص في نفسي ليس فقط لأن الفنان محمد عبده أجاد في لحنها وفي أدائها، وقد أجاد حقاً، ولكن الأهم من ذلك ما في هذه القصيدة من رقة الإحساس وجودة التعبير وفيها من الصور والمعاني والتلميحات المجازية والتشبيهات الفنية التي استطاع بها الأمير خالد الفيصل أن يحقق سبقاً فنياً لا يضاهيه فيه أحد من الشعراء، تمعن في هذه الصورة وفي هذا المعنى المجازي حين يقول:

    اسري مع الهاجس اللي ما بعد نامي             واصور الماضي لنفسي واسليها

    اخالف العمر اراجع سالف اعوامي              وانوخ ركاب فكري عند داعيها

    تدفى على جال ضوه بارد عظامي              والما يسوق بمعاليقي ويرويها

أيضاً من القصائد التي تتميز بإحكام السبك ودقة التصوير وجودة التعبير مقطوعته التي يقول فيها:

    وداع يانفس قدرها دعاها                        تنازعت والموت ما عنه مردود

    تشبثت بحبال زخرف حياها                    تبي نهارٍ زود واليوم موعود

    تسللت مثل الهوا من خفاها                      عجزت تقضّـب في ذرى يابس العود

    تبخّـرت روحي من حياض ماها              يتلّها نزّاع الارواح بركود

    بالهون يانزّاع روحي تراها                     باقي عذاب ايام بيض على سود

هذه المقطوعات تبين لنا كيف أن الأمير خالد الفيصل وإن كان خاض غمار تجربة القصيدة الغنائية بنجاح لا يعدله نجاح وكان له قصب السبق فيها إلا أنه أيضاً حينما تتطلب المناسبة ويدعو الظرف له باع طويل في نظم الأبيات الجزلة والقصائد الفخمة ذات الكلمات الرنانة والقوافي المستعصية.

    غرتني الايام باقبالها يوم                        اثر النكوفه عند الايام عجله

    فرحة نهار عقبها هم وهْـموم                  من يوم جذ البعد حبله ووصله

    فرقا الضحى سهله على باقي القوم              لكن على الخلاف ما هيب سهله                

راعي الهوى من راحة البال محروم                 قربه وبعده نار ما ينعرف له

ولا شك أن أجزل ما قاله من القصائد قصيدته في رثاء والده طيب الله ثراه:

لا هنت يا راس الرجاجيل لا هنت                  لا هان راس في ثرى العود مدفون

    والله ما احطك بالقبر لكن آمنت                 باللي جعل دفن المسلمين مسنون

    تلفتت روس المخاليق وين انت                  وين العظيم وعود الشوف مطعون

كذلك قصيدته التي قالها في رثاء الملك خالد رحمه الله:

    أجهد فواده بالعزم والشجاعه                    والقلب ما ساير قوي العزايم

    هذي سواة اللي طويل ذراعه                    يمناه ما تلحق مداها القوايم

هذه مجرد انطباعات أولية وملاحظات خاطفة لا يقصد بها إعطاء صورة شاملة ولا تقييم كامل لشاعرية الأمير خالد الفيصل ومكانته بين شعراء هذا العصر فهذا أمر يحتاج إلى بحث واستقصاء ومتسع من الوقت لا يسمح به المجال هنا.

 

<< الصفحة السابقة  |  مقالات صحفية في الأدب الشعبي  |  أعمال قيد النشر  |  الصفحة التالية >>